للكنيسة الكاثوليكية في مواضيع منع الحمل والإجهاض وتقنيات الإنجاب الاصطناعي والقتل الرحيم وغيرها من المسائل المتعلقة بالطب تعاليم واضحة حيث تنطلق الكنيسة بمعالجة هذه المسائل من مبدأ كرامة الإنسان كقاعدة أساسية لتعاليمها الأخلاقية.
أولا:- موقف الكنيسة الرسمي من وسائل منع الحمل
إن موقف الكنيسة الكاثوليكية من وسائل منع الحمل لم يتغير، فمنذ ظهور هذه الوسائل والكرسي ألرسولي في الفاتيكان يعارض استخدام كافة الوسائل التي تؤدي على عدم الإنجاب، ولاسيما أقراص منع الحمل والوسائل الأخرى المتبعة لهذا الغرض.
أهم تعليم رسمي ظهر في تنظيم الولادات ووسائل منع الحمل هو رسالة البابا بولس السادس المسماة الحياة البشرية والتي صدرت في 27 تموز1968. هذه الرسالة حرمت كل أشكال الوسائل الاصطناعية لمنع الحمل.
حيث تنبه الكنيسة الكاثوليكية في هذه الرسالة مؤمنيها إلى خطر اللجوء إلى وسائل منع الحمل الاصطناعية في تنظيم الولادات وتحثهم إلى اللجوء إلى الوسائل الطبيعية منها، كما تحدد الرسالة النهج الذي ينبغي للزوجين إتباعه وذلك لاعتقادها بأن التساهل في استعمالها يفسح المجال للخيانة الزوجية والانحطاط العام في الأخلاق. هذا الموقف نفسه أشار إليه أيضا البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته المسماة إنجيل الحياة. من خلال قراءتنا لهذه الرسالتين نستطيع استخلاص الأسباب التي من خلالها تبرر الكنيسة موقفها:-
1- استعمال وسائل منع الحمل تسهل الوقوع في الخيانة الزوجية، حيث أن الكنيسة تدرك تماماً مدى الضعف البشري في هذا المجال
2- إفساح المجال أمام الأحداث أو أمام الشباب المراهقين للتعرف لخبرات جنسية قبل الزواج قد ينجم عنها عواقب وخيمة على المدى الطويل
3- يخشى من أن الرجل عندما يتعود أو يألف استعمال الوسائل المانعة للحمل، أن ينتهي به الأمر إلى فقدان الاحترام للمرأة والى عدم الاكتراث بتوازنها الطبيعي والنفسي فتصبح في نظره مجرد أداة للذة الأنانية لا رفيقة حياة محترمة ومحبوبة.
ثانياً:- موقف الكنيسة الكاثوليكية من مسألة الإجهاض
لا نعثر في الكتاب المقدس على نصوص واضحة تتحدث عن تحريم الإجهاض المتعمد، ولكن الوصية الخامسة( لا تقتل) التي يرد ذكرها في أكثر من موضع تبقى القيمة الأخلاقية الثابتة والوحيدة التي تبرزها الكنيسة لحماية حياة كل إنسان وخصوصاً أولئك الذين لا يملكون بعد زمام أمرهم، هذا ما يعبر عنه البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته "إنجيل الحياة" فيقول إن "حياة الإنسان مقدسة لأنها تفترض منذ البدء عمل الله الخلاق، فالله هو سيد الحياة من بدايتها حتى نهايتها".
يشدد البابا يوحنا بولس الثاني إلى ضرورة احترام الطفل البريء قائلاً إن "الإجهاض المفتعل هو قتل متعمد ومباشر أيا كانت طريقته. فهو يستهدف كائنا ًبشرياً لا يزال في الطور الأول من وجوده". فكل تبرير للإجهاض حتى في الأيام الأولى من تكوين الجنين، يعد جرماً فضيعاً في نظر الكنيسة الكاثوليكية، فالحياة البشرية، على حد تعبير البابا يوحنا بولس الثاني وبحسب التقليد الموروث، تبدءا منذ اللحظة الأولى على عكس ما يحاول البعض لتبرير الإجهاض وذلك بقولهم بأن ثمرة الحمل اقله في الأيام أو الأسابيع الأولى لا يمكن اعتبارها حياة بشرية شخصية . ولكن تعليم الكنيسة يشدد على انه فور تلقيح البيضة، تنشأ حياة ليست حياة الأب وليست حياة الأم بل هي حياة كائن بشري جديد ينمو لذاته ولن يكون هذا الكائن بشريا إذا لم يحسب كذلك منذ اللحظة الأولى.
ثالثاً:- موقف الكنيسة الكاثوليكية من الولادات الناجمة عن تدخل الطب
إن موقف الكنيسة من المسائل الناجمة من تدخل الطب يميل في اغلب الأحيان إلى التحفظ لا بل التنديد والإدانة. فكل محاولة إنجاب تنحرف عن المسار الطبيعي المألوف تعتبر تعدياً على الشريعتين الإلهية والطبيعية. يقول البابا يوحنا بولس الثاني في هذا الصدد "تقيم الإجهاض أدبيا يجب أن يطبق أيضا على أساليب التدخل الحديثة الجارية على الأجنة البشرية". لذا تدين الرسالة المسماة "إنجيل الحياة" ما تسميه استغلال الأجنة والحيامن كمواد بايكولوجية محضة تخضع للاختبار من دون أي رادع أخلاقي . لقد افرد كتاب تعليم الكنيسة الكاثوليكي الديني صفحة كاملة في هذا الشأن لينبه المسيحيين ويرشدهم إلى التعليم الرسمي التي تتبناه الكنيسة و استناداً إلى ما ورد في المجمع الفاتيكاني والرسائل البابوية. وقد ميز بين التلقيح الاصطناعي ضمن الزوجين والتلقيح الاصطناعي من قبل شخص دخيل على العائلة معتبرة أن الطريقة الأولى اقل ضرراً من الطريقة الثانية ولكن مع ذلك تبقى الطريقتين مرفوضتين على الصعيد الأخلاقي إذ تفصل العمل الجنسي عن عمل الإنجاب. إن ما يخيف الكنيسة في هذه المسألة هو تحويل الإنسان إلى حقل تجارب في المختبرات شأنه شأن أي حيوان. والخطر الأكبر الذي يحدق بولادات الناجمة عن التدخل الطب هو التحكم بمصير الأجنة والتصرف بهم بطريقة مهينة سواء كان من حيث تطورهم أو من حيث اختيار جنسهم ولونهم أم من حيث التخلص منهم.
إن أهم مشكلتين يجب الاحتياط منهما في نظر الكنيسة هما : -
1 – أن تكون الحيوانات المنوية من الزوج والبويضة من الزوجة
2 – أن لا يتم التخلص من الأجنة الصغيرة لان الخلية الأولى من الجنين تحمل كل ملامح الطفل المنتظر .
انحرافات محتملة
1 – أن تكون الحيوانات المنوية ليست من الزوج إنما من شخص آخر .
2 – أن يتم تلقيح امرأة متبرعة اصطناعيا بسائل الزوج ومن ثم زرعها في رحم الزوجة العقيمة .
3 – أن يتم حقن السائل المنوي للزوج في امرأة أخرى تحمل وتلد ثم تتنازل عن الطفل للزوج الذي يدفع ثمنا لهذا.
إذن ترفض الكنيسة :-
1 – استخدام منى من مانح غير الزوج .
2 – استخدام بويضة من مانحة غير الزوجة .
3 – استخدام جنين مجمد بعد موت الزوجين .
المقبول من بعض الكنائس
1 – المنى من الزوج والبويضة من الزوجة مع قيام حياة الزوجين .
2 – أن لا يحدث قتل للأجنة الاحتياطية " والاطمئنان على هذه النقطة صعب للغاية " لكن المبدأ قائم أذا كان الاطمئنان ممكناً .
رابعاً:- موقف الكنيسة الكاثوليكية من قتل الرحيم
القتل الرحيم كما تحدده الكنيسة الكاثوليكية هو كل عمل أو كل إهمال يؤدي إلى الموت بذاته أو بالنية بهدف إلغاء كل الم. انطلاقاً من هذا التحديد تندد الكنيسة أو تشجب الكنيسة الكاثوليكية كل تعدي على حياة الإنسان المريض أو المتألم حتى لو كان هذا الإنسان في وضع صحي صعب. إن قتل المريض المتعمد يعتبر في تعليم الكنيسة جريمة وانتهاك لشريعة الله، ففي نهاية حياة الإنسان، خصوصاً في ساعات الشدة والضيق لا يحتاج الإنسان إلى علاجات أو مسكنات طبية لتخفيف ألمه فقط ولكن إلى مرافقة صادقة وحضور فعال من قبل أهله وأقاربه. لذا نستخلص من كل هذا أن نظرة الكنيسة الكاثوليكية إلى الإنسان كذات وليس كموضوع أو كحقل اختبار.
الأب أمير ججي الدومنيكي

