العنف أو العدوانية أو غريزة التعدي في محيط الاسرة

 


لن نتطرق إلاّ إلى بعض أشكال العنف في محيط الأسرة. لأن دراسة أشكال العدوانية التي فينا وحولنا تساعد في فهم الميل المرضي للتدمير الذي فينا. هذا الميل ينبع من اللاوعي. وإذا ما عرفنا دوافع العدوانية نفهم سبب بعض التصرفات وتطوّرها ومسارها وسنقيّم إذ ذاك الطاقة التي تسكن فينا. نبدأ بالبدايات لدى الطفل:

العدوانية لدى الطفل
هناك شكل من أشكال العدوانية يظهر خصوصًا في حياة الأطفال: وهي المشاعر النابعة من "تساقط" أو خيبة الآمال. فالطفل عادة يبدأ الحياة مؤمنًا بالحب والطيبة والعدالة. وهو يضع ثقته بأمه وباحتضانها له بدفء وحرارة وتعزيتها له عند الملمات والصعاب والمرض. وقد تمتد هذه الثقة فتصل إلى الأب أو إلى الأهل أو الأقارب الذين يظهرون للطفل حنوًا ومحبة. وقد تمتد أيضًا إلى الجيران وحتى إلى الله.
لكن ما يحدث في واقع حياة كثيرين أن هذه الثقة تتطاير هباء في عمر مبكّر. فيكتشف الطفل أن أباه يكذب في قضية مهمة. أو يراه يرتجف خائفًا أمام غضب الأم ويكتشف أن أباه مستعد للتخلي عنه أرضاءً لأمه حين غضبها. وقد يسترق سمعه ما يقال أو يحدث بين والديه فيشعر وكأن أباه إنسان متوحش، أو قد يكتشف أن لا أحدًا يهتم به. ولا يشعر بما يدور في أعماقه. وعندما يتكلم لا يفهموه أو لا ينتبهون إليه.
في كل لحظة قد تتعرض ثقة الطفل بالحب والصدق والعدل إلى خطر الإصابة بالخيبة. وعند الأطفال الذين يتلقون تربية دينية قد يتعرض إيمانهم بالله إلى الخيبة أيضًا. فمثلاً في حالة موت عصفور أو حيوان أليف أو لدى وفاة قريب يلمس الأطفال تساقط اعتقادهم بالمحبة الإلهية وعدالته. لكن المهم ليس تساقط الثقة بشخص ما ولا حتى تزعزع الإيمان بالله: الخطر هو فقدان الإيمان بالحياة والشعور باليأس وفقدان الثقة بالمستقبل.

كل الأطفال يتعرضون لعدد معين من خيبات الأمل، لكن ما يهم موضوعنا هنا هو أن هذه الخيبة تصبح ذات وقع حاد وخطورة خاصة. فغالبية الوقت تحدث خبرة تساقط الآمال هذه خلال الطفولة الأولى بين 4و6 سنوات وقد تحدث قبل ذلك أي في فترة لا نتمكّن من تذكرها. فتبقى آثارها دون أن نعرف السبب لكن دمار الأوهام النهائي يحدث في فترة متأخرة من الطفولة أو الشباب عندما نلمس خيانة صديق أو حبيب أو معلم أو شخص نعجب به أو رجل دين وضعنا فيه كل ثقتنا.
وقد لا يحدث هذا كحدث منفرد بارز محدد بل يحدث من خلال سلسلة أحداث صغيرة تافهة تتراكم فتجرف مثل سيول جارفة كل تفاؤل وأمل لدى الفرد. أما ردود الفعل تجاه هذه الخيبة فتختلف من شخص إلى آخر: فبعضهم ينجح في زحزحة ودفع الغطاء الذي كان قد وضعه عليهم الشخص الذي خيّب ظنهم فيتحولون إلى مرحلة لاحقة مستقلة وتنضج شخصيتهم ويتوصلون إلى توازن في ثقتهم بالناس ويعقدون صدقات أخرى وعلاقات أخرى وحب آخر.
هذا هو الدرب الصحيح الذي نتمناه لكل من تتساقط أوهامه في سن مبكّرة. ولكن للأسف هذا لا يحدث مع الكل، بل بالعكس يتحول الذي خاب ظنّه إلى شكّاك قرف، ضجر وسئم من الحياة فيقعد منتظرًا حدوث معجزة تعيد إليه الثقة بالحياة. أو ينتقل من صداقة إلى أخرى يجربّها ويريد منها نتائج سريعة فيحصد بسبب ذلك خيبات عديدة، لكن قد يقع أيضًا على شخص ذكي يضع فيه ثقته، أو قد يقع في حبائل جماعة حامية تعده بالوصاية (جماعة دينية أو سياسية أو شبكة جريمة أو يناسب أسرة أو عشيرة ...) فيؤمن بها إيمانًا مطلقًا ليتغلب على اليأس الذي دخل فيه والشعور بتفاهة الحياة، فيندفع في انشغال محموم بالعمل أو العطاء وبالرغبة في النجاح والتفوّق على جميع الأصعدة أو يحاول أن يهدئ من روعه في جمع الأموال أو في البحث عن السلطة أو الشهرة.
هنا يهمنا الآن هو معرفة ردود الفعل العدوانية الناتجة عن خيبات الأمل هذه. فقد يميل ذلك الفرد إلى كراهية الحياة: ما معنى الحياة؟ ما معنى وجود الآخرين؟ لا وجود للطيبة والعدل كل شيء وهم. ليس الله هو الذي يتحكم بمصائر الناس بل الشيطان. الوجود إذن هو جهنم ... أفكار مثل هذه قد تقود صاحبها إلى الجنون أو إلى محاولة محمومة للبرهان على أن أفكاره صحيحة وان الحياة شريرة والناس كلهم أشرار وأنه هو أيضًا شرير وتحت هذا الضغط يصبح الإنسان صلفًا وقحًا هدّاما لا يبالي بأذية الغير. ويصبح اليأس مبررًا له في كل ما يدمّره. أن هذا مصاب بكراهية عميقة للحياة لذلك يرى أن من حقّه أن يدمّرها.
إن فقدان الإيمان بالحياة هو نتيجة لتغيّرات داخلية عميقة، وقد يبدو هذا أمرًا عاديًا في أيامنا، وقد تنتظم عوائل كثيرة إنطلاقًا منه. وقد يسري على مجموع المجتمع ما يسري على الفرد. فتنجرف الجماعة الكبرى إلى اتخاذ قرارات مشؤومة ومدمّرة.
أمام هذا قد تحدث ثورة وانفجار جماهيري واضح أو قد تتفشى بين الأعضاء مظاهر العصبية والغضب والقرف من الآخرين والعدوانية والعنف المتبادل وحب التدمير المتفشي في كل مكان.

العدوانية الإنعكاسيّة
إنها نوع من أنواع العدوانية له نتائج وخيمة في الواقع: فالعدوانية الإنعكاسيّة هي عدوانية الدفاع عن الذات، عن الحياة أو الممتلكات. لهذه العدوانية جذور ضاربة في الخوف، الخوف الحقيقي أو الوهمي. لهذا يمكن القول إنها أكثر أشكال العدوانية انتشارًا وتقبلاً لدى الناس العاديين فهي تخدم الحياة ولا تقصد التدمير بل الحفاظ على الأشياء. وهي عدوانية واعية معقولة ولها هدف. المهم إن هناك فرقًا بين رغبة التدمير ومجرد حالة الدفاع.
ولكن، لو حللنا مظاهر العدوانية الدفاعية لرأينا أنها في الغالب لا تعتمد على أي قاعدة حقيقية، بل على أفكار لأناس يكونون في حالة شحن نفسي ضد خطر أو عدو ما، فيفجّرون فيهم ما يحتاجونه من طاقة عدوانية ضرورية للوصول إلى مآربهم.
من الناحية النفسانية يعدّ الناس الخطر الذي يهددهم لا في الأحداث ولكن في احتمال وقوعها. فعندما يشعرون أنهم مهدَّدون تبرز لديهم دوافع الدمار. ردّ الفعل هذا نجده عادة لدى المرضى المصابين بجنون الإضطهاد (البارانويا) كل من يشعر أنه مهدَّد يكون عدوانيًا.


عدوانيّة الشعور بالحرمان
شكل آخر من أشكال العدوانية ينبع عن الشعور بالحرمان أو الكبت. نجده سواء لدى الحيوانات أو لدى البشر: أطفالاً أو بالغين. فما أن يشعر أحدهم بالكبت أو بالحرمان - فيما يخص رغبة ما أو حاجة ما - حتى تظهر عدوانيته. إنها كل المحاولات التي نبذلها لتحقيق رغباتنا عن طريق العنف والعدوانية. هذا النوع يخدم الحياة، ليست غايته التدمير من أجل التدمير. وقد يكون هذا النوع منتشرًا جدًا في المجتمعات البشرية كلها وهو سبب أغلب الجرائم التي تنقلها إلينا الصحف والقصص والأفلام.

عدوانية الحسد والغيرة.
هذه قريبة من العدوانية السابقة وتنبع أيضًا من الحرمان والكبت، إنها تعكس نوعا خاصًا من الكبت: لنأخذ مثلا:
(أ) يمتلك شيئًا يشتهيه (ب)، أو (ب) يتمتع بحب شخص يتمناه (أ) فتثور في (أ) عواطف عنيفة ضد (ب) عواطف غيرة وحسد وكراهية.
في عواطف الغيرة والحسد، الكبت يزداد لسببين: أولاً (أ) محروم مما يتمناه، وثانيًا لأن (ب) يتمتع به عوضًا عنه.
وأحسن مثال على هذا في قصة قايين الذي قتل أخاه هابيل ضانًا أن والديه (والله) يفضلانه عليه. لم يكن لهذا التفضيل أي مبرر، لكن قايين شعر ببرودتهم تجاهه. هناك أيضًا قصة يوسف ابن يعقوب مع إخوته. وقد استعمل الأدب النفسي هاتين القصتين بكثرة.

الرغبة في الانتقام
نعبر الآن إلى حالة أخرى من حالات العدوانية، وبها ندخل في بدايات الحالة المرضية: إنها العدوانية النابعة من الرغبة في الانتقام. فإن كانت العدوانية الانعكاسية تتوقع حدوث تجاوز وتعد محتمل، وهي رد فعل دفاعي للحفاظ على الحياة، لكن عدوانية الانتقام تتعامل مع حدث قد تم فعلاً فهي إذن لا تلجأ إلى القوّة من أجل الدفاع. فالرغبة بالانتقام ليست رغبة عقلانية أبدًا، بل إنها تعتقد في إمكانية إلغاء التعدّي – الذي حدث في الماضي - سحريًا بشكل ملموس وبالعدوانية.

لنحلل تسلسل عدوانية الانتقام لدى الفرد أو لدى الجماعة سنجدها منتشرة في كافة الأوساط، سنرى الطابع اللاعقلاني لهذه العدوانية: فكلما ازدادت قوّة الفرد (أو الجماعة) وازداد الإنشغال والإنتاجيّة، كلما قلت مشاعر الانتقام. بمعنى آخر ئدى الضعفاء والمعاقين والمعقّدين تشكل هذه العدوانية منفذًا علاجيًا للكبرياء: الانتقام من المتعدي، إنطلاقًا من مبدأ "العين بالعين والسن بالسن". بالعكس إن الفرد الذي يعيش حياة منتجة نادرًا ما يشعر بمثل هذه العواطف والحاجات، حتى إذا طاله بعض الإهانة. كذلك الغنيّ ينسى بسهولة أكبر ما لحق به من إهانات في الماضي. لأن قابلية الإنتاج أقوى لديه من رغبة الانتقام.
لقد برهنت الدراسات النفسيّة أن التعطش للانتقام ضعيف لدى الإنسان الناضج والمنتج، وقوي لدى المكبوت والعُصابي، أي غير المرتاح في حياته، والذي لا يتمتع بقدر كاف من الحرية، مثل هذا الفرد يميل إلى المقامرة بحياته كلها من أجل عاطفة الانتقام التي تعشش فيه.
هكذا لدى المرضى من شديدي الاضطراب يصبح الإنتقام غاية حياتهم، لأنهم يعدّون هذا الشعور الشرط الوحيد لتجنب تبعثر الأنا والشعور بالذات والهوية الشخصيّة. نلاحظ أيضًا لدى الجماعات المتخلفة اقتصاديًا وثقافيًا وعاطفيًا أن روح الإنتقام قوية جدًا، خصوصًا لدى هؤلاء الذين يجرجرون ذكريات هزائم قديمة. نلاحظ مثلاً أن الطبقة الوسطى في الشعب هي التي تحتوي على أكبر قدر من الميول الانتقامية والمشاعر العنصرية والتعصبية بكافة أشكالها. لقد أجريت استبيانات تقارن بين المستوى الاقتصادي والثقافي وبين مشاعر الإنتقام، إعتمدت "الأسئلة الإسقاطية" (أي الأسئلة التي لا تبغي رأي الشخص المعني بل دارسة دوافعه اللاواعية).
أما الإنتقام لدى المجتمعات البدائية فيصعب تحليله، فبعض التصرفات لديهم أخذت طابعًا طقسيًا وتحوّلت إلى مؤسسات قائمة. فتثور ثائرة المجموع لدى إهانة فرد من أفراده. هذه المجتمعات البدائية قد لا ترى سوى الإنتقام كوسيلة لإصلاح ما تضرّر وقد تكون عمليات "الفصل" التي تحدث في العشائر كحل متطوّر لما كان يحدث في الماضي فيستعيضون بالمال عن الانتقام والقتل.
إنّ مشاعر الانتقام هذه تظهر الجوانب النرجسية لدى هذه الجماعات وتبرز حاجتها إلى التماسك، فكل ما يهين الصورة المثالية التي تحملها الجماعة عن ذاتها يُعَد مدمرًّا لها فتنفجر تجاهه بمشاعر العدوانية.

العنف التعويضي
رأينا كيف يمكن للعدوانية أن تفّسر من جانب وهم معيّن أو من رغبة ما. لكن هناك شكل آخر هو العنف التعويضي وهو أحد الأشكال المرضيّة الواضحة للعدوانية، ويعتمد اللجوء إلى القوّة لدى بعض الأفراد العاجزين، للحصول على شيء لا يريدون إنتاجه بأنفسهم.

يخضع الإنسان للقوى الطبيعة والمجتمع وهي تسيّر تصرفاته لكنه ليس كليًا خاضعًا لها. فهو بالتحديد يمتلك إرادة وحرية وقابلية لتغيير العالم ضمن حدود معينة. إن ما يهمّنا هنا هو أن يتربى الإنسان على رفض للخنوع الكامل، وأن يقوي ما يدفع إلى التغيير، وهو بالفن والإبداع يطبع بصماته على ما حوله. هذه الحاجة جزء من طبيعة البشر. نراها في رسوم الكهوف، كما في الفنون وأنواع الأعمال، وحتى في طبيعة العلاقات الجنسية (في تنظيمها الدقيق)، كلها فعاليات تنطلق من قابلية خاصة لدى الفرد أن يضع إرادته في خدمة هدف يسعى نحو تحقيقه ولا يهمله إلا عند بلوغ الهدف. هذه القابلية تسمّى "القدرة" (والقدرة الجنسية أحد مظاهرها). فعندما يصيب الإنسان، لسبب ما، ضعف أو قلق أو قصور في الكفاءة أو المعرفة ... وغير ذلك، يعجز عندئذ عن التصرف، أي يصاب بالعجز فيتألم بسبب ذلك، ولهذا الألم جذور في التوازن الداخلي الذي يصاب به لسبب معين. لا أحد يريد هذا العجز، بل يحاول إخفاءه أو الاستعاضة عنه بتصرف آخر يحوّل الأنظار عنه. ولكن هل هذا دائمًا ممكن؟

- الحل الأوّل يكون بالخنوع والخضوع والتماثل وتقمّص شخصية فرد آخر أو جماعة أخرى تمتلك الزمام أو سلطة معينة، بهذا الأسلوب الرمزي يتقمّص الإنسان شخصًا آخر ويوهم نفسه أنه يحقق ذاته، لكنه في الواقع يتنازل عن إرادته وشخصيته.
- الحل الثاني - يهمّنا هنا - هو أن يلجأ إلى استعمال العنف، أي قابلية التدمير الموجودة في سبات داخل كل كائن بشري.

إن الإبداع في حياة الإنسان هو محاولة خروج من وضعيته كخليقة. في الإبداع خروج، وفي التدمير أيضًا خروج، أي محاولة تخلص من الألم الذي تخلقه السلبية والخنوع.
وإن كان الإبداع يتطلب صفات إيجابيّة معينة، لكن الإنسان العاجز يفتقدها، والتدمير لا يحتاج إلاّ إلى فقدان القرف من استعمال القوّة. فيكفي امتلاك سلاح ما أو قبضة قوية، بل يمكن لأي إنسان مهما كان عاجزًا في داخله أن يهدم الحياة التي لديه بالإنتحار: وهو بذلك ينتقم من الحياة، وممّا حرمته منه.

نرى إذن أن العدوانية التعويضية هي عنف ذي جذور تتصل بالعجز، غايتها تعويض ذلك العجز. فمن يعجز عن الإبداع يبحث عن التدمير. وهاتان العمليتان تساعدان على إعطاء شعور أنه ليس مجرد خليقة. الفيلسوف ألبير كامو، يضع على لسان الإمبراطور المجنون كاليغولا هذه الكلمات: "أحيا، أقتل، أمارس قدرة التدمير الجنونية. وإزاء هذه القدرة تبدو قدرة الخالق بمثابة تقليد أخرق لما أعمله أنا". إنه عنف الضعفاء المعاقين، عنف البشر الذين لا يوجهون طاقاتهم تجاه البناء بل التدمير.

عنف التسلط المطلق على رقاب الناس
يمكن هنا أن نذكر عنفًا تعويضيًا آخر هو ذاك الذي يدفع بعض الأفراد نحو ممارسة تسلط مطلق على كائن حي ما: إنسانا كان أو حيوانًا، هذا الميل هو في أساس كل سادية. وقد ظن بعضهم خطأ أن ذلك الميل هو من اجل تعذيب الآخرين. والحال إنها تجربة ممارسة تسلط مطلق كامل على كائن آخر، أو محاولة تجريده من إرادته كي يصبح مجرد حاجة عاجزة تمامًا خاضعة لكافة رغباتنا، فنصبح بالنسبة إليه بمثابة إله فنستعبده ونستخدمه كما يحلو لنا.
قد يلجأ المصاب بالسادية إلى وسائل عدة ليحقق غايته، فيعمد إلى إذلال ضحيته وإبقائها في حالة عبودية وتبعيّة، وأسهل طريقة تكمن في إيلامها، لأن أقوى ضغط يمكن ممارسته على شخص آخر هو إجباره على تحمّل الألم من دون أن يدافع عن نفسه، ويأتي التلذذ بألم الآخر بعدئذ. السادية هي محاولة تحويل الآخر إلى حاجة جامدة فاقدة لكل حرية: فالحرية صفة أساسية لكل حي.

إنّ خبرة الحياة تعلمنا إلى أي مدى يمكن للساديّة الهدامة أن تتفشى لدى الأفراد والجماعات وهذا يجعل منها مشكلة جوهرية إذ إنها ليست مجرد ظاهرة من الظواهر السطحية أو مجرّد وقوع في دائرة تأثيرات وعادات سيئة، لكن السادية جزء من ميول إنسانية منحرفة وعميقة ومطلب قوي يشبه حب الحياة. قوتها تأتي من ثورة الحياة فينا ضد كل ما يمكن أن يخنقها ويظلمها، لأن الإنسان يعرف أنه إنسان وليس شيئًا أو مادة، لذا فهو يكسر كل ما يمنعه من الوصول إلى إنسانيته، هكذا نكتشف فينا قدرة على العدوانية الهدامة، فنفرح بألم الآخر و"نشتفي" بدماره وهدمه.
هنا نفهم لماذا كان الرومان يتمتعون في الملاعب (الكوليزيوم في روما) بمشاهدة الخاسرين يموتون، ففي ذلك التمتع شعور شبق، نراه في حبّ البعض لأفلام العنف أو مشاهد الوحوش المفترسة. قد يكون أصل هذه العدوانية أنها راقدة في كل إنسان لأسباب عديدة: كالخوف من القصاص، لكنها تظهر بأشكال تعويضية في المشاهد والمسارح والألعاب. إنها في كل الأحوال موجودة. فإن ضعفت الدفاعات العقلانيّة والحياة الفكريّة أو فلت زمام الأمور لسبب ما تظهر هذه العدوانيّة وتتفجّر وتدمّر كل شيء في طريقها.

عدوانية التعطش إلى الدم
أخيرًا يبقى هناك نوع آخر من العدوانية تجدر دراسته: وهو "التعطش إلى الدم". إنه ميل نجده لدى الناس المسحوقين كمحاولة رفض لدى الفرد بصورة بدائية جدًا أن "يتفرّد"، أي أن يعود بواسطة القتل إلى حالة الحيوان ليتحرر من حمل خصوصيته كإنسان عاقل. ويصبح منظر الدم مهمًا ومسألة إهراقه مهمًا أيضًا، فيشعر أنه حي قوي مختلف عن الآخرين مُتفوّق عليهم. هكذا يتحول القتل لديه إلى أعظم نشوة وأكبر عمل يؤكد به شخصيته وهذا من أقدم الوسائل البدائية في تطوّر الشخصية وتكوينها.
قد يتحوّل المرء الذي يمتلك مثل هذه الميول إلى حالة هياج وقلق فهو إما يَقتل أو يُقتَل. وهذا هو قانون التوازن الطبيعي البدائي القائل: "إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب". لذا يحاول أن يقتل أكبر عدد ممكن قبل أن يقتلوه: إنه مثل شمشون الجبار في نهاية حياته.
من هذه المنظور ليس دافع القتل حب للموت، وإنما رغبة في تأكيد الوجود وبهذا يتجاوز المرء الوجود، باتجاه الأعماق السحيقة الكاشفة لتراجع الإنسانية لدى هذا المصاب. وهذا النوع نصادفه لدى بعض الأفراد في أحلامهم أو هلاوسهم، في حوادث غسل العار لدى بعض الجماعات أو إبان الحروب الأهلية أو لدى انفلات السلطة.
في كل الأحوال تظهر هذه الأمراض عندما تخف الضغوط الاجتماعيّة وعندما لا يكون الأفراد قد نالوا قسطًا من الثقافة والاستقلالية أو لا يكون موانع من العقل أو القانون.
كما تظهر أيضًا مثل هذه الحالات في المجتمعات البدائية حيث يشكل القتل محورًا هامًا: أنت قاتل أو مقتول. كعادات الانتقام السائدة في مناطق من الشرق أو البحر الأبيض المتوسط والمافيا.
هذه الغريزة استلمتها الديانات وحوّرتها ويرى بعض العلماء سبب وجود القرابين حيث يلعب الدم دورًا كبيرًا في الطقوس وهذا واضح منذ العهد القديم. إنها العقلية التي تعتقد بأن الدم هو جوهر الحياة وأنه ضروري لتخصيب الأرض، أي للحياة. وبهذه الأعمال كان الإنسان يؤكد وجوده ويرفع من دوره بأنه قادر على الإبداع وكذلك على القتل. فهو يقتل ليعيش أو هو يبذل نفسه كي يعيش الآخرون. إلى هذا يرمز دم المسيح في القربان. كدعوة لكل إنسان كي يتجاوز نرجسيته القاتلة.

تتميّز الحياة بالوثوب والتطور والتغيير لكن هناك من يحب الموت أي أنه يحبّ الجمود والتسلسل المعقول للأشياء. يحب عندما يفهموه، فالنسبة إليه كل ما حوله مجرد أشياء لا أشخاص. المهم لدى محب الموت هو الذكرى أكثر من الخبرة، التملك أكثر من الوجود، الأنا أكثر من الآخر. محب الموت يتعلق فقط بما يستطيع أن يمتلكه. لذلك يمكننا أن نعتبر أن البخل هو شكل من أشكال حب الموت. فهو يخاف إلى حد الموت على ممتلكاته. والبخيل يتمتع بالسيطرة على كل ما يحيط به، وهو بهذا يقتل الحياة. وخير مثال على هذا المرض هو فيلم "جامع الفراشات"، لألفريد هيتشكوك. الحياة تخيف بطل الفيلم لأنها فوضى في اعتقاده وهو لا يستطيع السيطرة عليها.
في قصة المرأتين اللتين جاءتا إلى الملك سليمان إختلفتا حول الطفل الحي الذي بقي لديهما، كل واحدة تدّعي إنه طفلها. عرف سليمان من هي المرأة والدة الطفل من خلال تلك التي فضلّته حيًا عن الأخرى. التي قالت: "لا يكون لا لي ولا لكِ، أشطروه" (1ملوك 3/16-28). العدالة بالنسبة لهذه المرأة الثانية تكمن فقط في شطر الولد الحي: إنها تقتل من أجل العدالة. وهنا يمكن للعدالة أن تتحوّل صنم حقيقي، وقد تجتاح بعض الشعوب موجة القتل باسم العدالة، نذكر مذابح الأرمن في الأمبراطوريّة العثمانية أو مذابح اليهود على يد النازيين، اقتنع الجميع أن هناك من يتعدى بوجوده على القيم والقيم لديهم ثابتة أزلية. لهؤلاء يقول الإنجيل تذكر أنّ الإنسان هو القيمة القصوى: "فالسبت جعل لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل السبت".
لقد حاول المتصوفون والزهاد وضع النقاط على الأحرف: ليس الإنسان بما يملك بل بما هو. لذلك تقوم كل الرهبانيات بلفظ نذر الفقر لكي تعيد إلى الأذهان أهمية ذلك "حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم" (لوقا 12/22-34).
من هنا نستطيع أن نحلل بعض الكتب الأدبية أو الفنية أو الشعريّة حيث يحتل الظلام والظلمات حيزًا كبيرًا: مثلا قصة في بلاد العيمان، أو قصة بير غنت Peer gynt للأديب النرويجي إيبسن حيث الأقزام الخرافية عميان تعيش في كهوف ولا تؤمن إلاّ بذواتها وبما تصنعه في البيت. وجل مبتغاها أن يعودوا إلى الكهف، أي إلى الماضي. أما المستقبل فمكروه لديها وهي تخاف منه، إنها متعطشة إلى الحقائق الثابتة والأكيدة.
مع ذلك الحياة تفلت دائمًا من أيدي محبّي الموت. إذ لا يمكن السيطرة على الحياة، وعليك أن تتركها لغيرك، لكن المصاب بحب الموت يقول: يجب أن أحولها إلى موت والموت هو الشيء الوحيد الأكيد في الحياة.
وعندما تظهر ميول الموت لدى فرد ما يظهر ذلك في الأحلام: يرى نفسه بين الجثث أو يرى نفسه قاتلا أو يرى الدم أو الجماجم أو يرى فضلات البراز البشري أو يرى أن البشر تحولوا إلى مكائن ... مثل هذه الأحلام قد تحدث للناس الاعتياديين على أثر أكلة ثقيلة أو مشاهدة فيلم مرعب ... ولكن تكرارها يقلق (راجع رواية 1984 للكاتب جورج أورويل التي كتبها عام 1949، حيث يحكم العالم إنسان واحد هو الأخ الأكبر Big Brother). في هذه الرواية وصف لمن لديه ميل إلى الموت: طبع بارد كالجليد، على جلد وجهه مظاهر إنسان يشتمّ رائحة كريهة باستمرار (لعله تذكر وجه هتلر) إنسان نظامي ذي عادات ثابتة لا تتغير، وهو فوق كل هذا إدعائي إلى أبعد حد.
وقد تكون ميول الموت اقل حدّة من الوصف أعلاه. وقد تظهر لدى الناس الذين يبدون اعتياديين: قد تظهر في سهر بعض الأمهات على الطفل المريض أو في حرصها الشديد ضدّ الذي يرسب في دروسه أو في القلق والتخطيط المحموم لمستقبله أو لمهنة ما. مثل هذه الأمهات لا يشعرن بأي فرح للمتغيّرات التي تحدث للطفل أو لتطوّره الحياتي وتقدّمه في السن وبلوغه. صحيح قد يبدو أنّ هذه الأمهات لا يرتكبن أي أذية مباشرة تجاه الطفل لكنهن يخنقن الفرح لديه ولا يرين الإيمان بمستقبله، مثل هذه الأمهات ينقلن إليه مرض الموت الذي لديهن أو على الأقل الكآبة.
أن الميل إلى الموت يبقى أحد الاتجاهات الأساسية لدى الكائن البشري، فأمام سر الوجود والحياة يبقى الإنسان، كل إنسان، حائرًا، فيختار في الغالب ما هو أسهل: أي الموت، أي إنه يقبل الفكرة ويستنكر كل ما في الحياة ويهزأ بادعائيتها، بل يذهب إلى حد كراهيتها وكراهية الجمال والصحة والإبداع. عواطف مثل هذه قد تكون موجودة لدى الناس لكن القليلين هم الذين يعترفون بذلك.

عكس الميل إلى الموت هو الميل إلى الحياة، أي حب الحياة. وهذا ليس فقط صفة من صفات الشخصية بل إنه إتجاهها العام. فمحب الحياة يحبها بعواطفه وأفكاره وأعماله ... وأهم مظاهر حب الحياة هو الدافع الذي في كل الأحياء إلى الإستمرار في الحياة. وهنا أخطأ فرويد عندما قال إن أقوى الغرائز هي غريزة الموت. بالعكس علماء الحياة والفلاسفة يبيّنون كم تبذل الأحياء من جهد وحيلة للبقاء وهذا هو صراع البقاء. نلاحظ هذا في الحشائش التي تشق الصخور لتظهر إلى الضوء فتعيش، أو الحيوان الذي يصارع إلى آخر رمق ليتخلّص من الموت.

غريزة البقاء والإمتداد في الوجود
إن كان البقاء على قيد الحياة عنصر أساسي لدى الأحياء، لكن هناك عنصر آخر هو الميل إلى الدمج والانصهار والتجمّع والنمو في اتجاه واحد: إنها ديناميّة التوحيد والنمو في اتجاه معيّن. وهذا قانون شامل للأحياء، من الخلية وحتى الأفكار والعواطف. ظاهرة التوحيد هذه نراها في انصهار الخلايا ببعضها وتلاحمها، نراها في تزاوج الحيوانات وفي زواج البشر.
فأساس الحياة الجنسيّة ينطلق من الجاذبية التي يحركها الواحد لدى الآخر. كل جنس قطب منجذب نحو القطب الآخر، لكن مركز الإنجذاب خارج عن كليهما، إنه في بقاء العنصر البشري. هكذا سارت الطبيعة فوضعت في التقاء القطبين لذّة قويّة. من الناحية الحياتية يؤول هذا الاتحاد إلى خلق كائن آخر: أي هناك اتحاد، فولادة، فنمو. هذه هي مراحل الحياة. إذن إنّ حب الحياة يسير هكذا بعكس حب الموت الذي يوقف كل نمو وكل تطوّر وهو يميل إلى التبعثر والتشتت والدمار. في مواقف بعض الأهل من تقدّم "الخطّابة" ألسنا نقرأ حب الموت يا ترى؟
ولكن، برغم أن الغريزة الجنسية من الناحية الحياتية هي في خدمة الحياة، لكنها ليست دائمًا هكذا بالضرورة. فمن وجهة نظر نفسانية الأمور تختلف إذ يقول بعض علماء النفس إنه لا يوجد ظاهريًا وعمليًا أي أنفعال عاطفي قوي إلاّ واختلطت فيه رغبات جنسيّة: كالتكبر، وحب المال، وحب السفر والمغامرة بل وحتى حب الموت... وكأن الطبيعة تحتال على الإنسان فتحشر الغريزة الجنسية حتى فيما يبدو مناقضًا لها.
قد يبدو شرح هذا الموضوع صعبًا بعض الشيء، لكننا نلاحظ أن هناك علاقة قوية بين الرغبة الجنسية وبين الرغبة في التدمير وهذا لاشك فيه. وقد قام فرويد بدراسة لهذه العلاقة بشكل عميق وقال إن كل الانحرافات الجنسية هي في الحقيقة محاولة لفهم الحياة والموت، من هنا قامت الطقوس والأعراف التي ميّزت بين ما هو طاهر (أي الحياة) وما هو نجس (أي الموت) وأنجس ما فينا هو ما يخرج منا (لاحظوا شتائمنا ومواضيع القرف لدينا).
كمال حب الحياة نجده عند من يحب الإنتاج أي يحب تكثير الحياة وإظهارها وما تبنيه وما تطوّره فيدهش لها ويحبّها ويتفاجأ لدى كل ولادة. إنه يتعلم على التجديد ويفضله على الإطمئنان الذي تخلقه لديه الأمور القديمة.
محب الحياة يفضل البناء على المحافظة على القديم، لأن الحياة مغامرة أحسن من كل عقيدة وفكر مؤكد. خبرة محب الحياة في الحياة هي خبرة عملية وليست ميكانيكية إنه يهتم بالكل أكثر من اهتمامه بدقائق الأمور، يهتم بالشمول أكثر من الأجزاء. وعندما يريد التأثير على أحدهم يلجأ إلى الإقناع والمحبة والأسلوب المعقول والفضيلة، ولا يلجأ أبدًا إلى القوّة أو العنف. إن محب الحياة يكره أن يكسر شيئًا لدى الأخر، اللهم ما عدا القيود والسلاسل التي تقيد الآخر.
إن محب الحياة كالفلاح يحب أن يزرع، ويربي، وينتج وليس كالموظف البيروقراطي الذي يرى الناس كأنهم أشياء تتحرك: الموظف يحتاج إلى ترفيه وإجازة وهو يكتفي بذلك، لكن الفلاح يختبر كل يوم طعم اللذّة الحقيقيّة.
لذلك من اجل حل المشاكل المستعصية في بعض العوائل أنصح بتربية الحيوانات الأليفة بكافة أنواعها فهي خير ما يمتص الزائد عن حاجتنا من قابلية العطاء.
من منطلق حب الحياة نفهم ما هي مشكلة الخير والشر: الخير هو كل ما يخدم الحياة والشر هو كل ما يؤول إلى الموت. الخير يحترام الحياة، وهذه الفكرة أساسيّة في كل فكر أو دين، أي إنّ الحياة نموّ وتطوير للقابليات. أما الشر فهو بالعكس كل ما يحجّم الوجود ويجمّده ويصغّره ويجعله ضامرًا ويقطّعه.
الفرح إذن فضيلة والحزن أكبر الخطايا. هذا هو اتجاه الكتاب المقدس. وحتى عندما يقول المسيح "طوبى للحزانى" يوجد فرح "لأن لهم طوبى، ولأنهم يُعزّون". أما سفر تثنية الإشتراع فيهدّد المكتئبين قائلاً: "لأنك لم تعبد الرب إلهك بفرح وطيبة قلب، بسبب كثرة اليسر، تُستعبد لأعدائك..." (28/47). من يحب الحياة لا يجبر نفسه على عمل الخير وتجنب الشر، فالخير ليس صعبًا كما يدّعي فرويد في الأنا الأعلى، وحتى إن لجأ بعضهم إلى التعصب والسادية والقوّة في فرض الخير والفضيلة على الآخرين. بالعكس محرك الأخلاق هو حب الحياة والفرح. لنطوّر إذن حب الحياة فينا ولندع إلى تذوق مباهجها، وعندئذ لن نجد أي صعوبة في تكميل الوصايا. من يحب الحياة يعرف كيف يتجنب غزو الشعور بالذنب وأحاسيس الندم على الماضي، لأنه يعرف أن كل ما يزرع الحزن في قلبه والقرف من نفسه لا يأتي من الحياة بل من الموت. سوف يطرد هذه الأفكار كمّن يطرد ذبابة دخلت غرفته، سوف يطردها بهدوء لا بمطرقة، ثم يعود إلى عمله. لذا يمكن أن نعدّ الفيلسوف سبينوزا عظيمًا لأنه بنى فلسفة الأخلاق على الفرح فقال: "كل فرح ليس سيئًا بصورة مباشرة لكن بالعكس كل حزن هو مباشرة سيء" (الأخلاق 4/41). وفي موضع آخر قال: "الإنسان الحكيم لا يتأمل بالموت بل بالحياة".
حبّ الحياة ساد الفكر وأنتج فلسفات عديدة ومنها انطلقت حقوق الإنسان فيعزّز ويكرم كل ما هو حي ويبتعد عن كل ما هو ميت، ألم يقل يسوع: "دعوا الموتى يدفنون موتاهم"؟
إنّ التمييز بين حب الحياة وحب الموت أمر ضروري في كل دارسة نفسيّة، لأننا بالتالي سوف نكتشف أن محب الحياة أقرب إلى القديس ومحب الموت مجنون. أما غالبية الناس فهم بين بين، يقفون في الوسط. وفي كل منا قدر من الشكلين بنسب متفاوتة. المهم أن نعرف ما هو الغالب لدينا: فمن يغلب لديه حب الموت ينتهي شيئًا فشيئًا إلى خنق ذلك الجزء من شخصيته المتجه نحو الحياة. وهذا ما يحدث للأسف مع تقدّم العمر لدى البعض، وبدون وعي منه، فهو يكتفي بقسوة القلب ويتصرف كما لو كان حب الموت لديه أسلوبه الوحيد المنطقي والمعقول إزاء الصعوبات والمشاكل التي يتعرض لها، فتراه يفضل الإنغلاق والزعل والمقاطعة وتركبه عادات سيّئة كالغضب والعصبية والإكتئاب والإحباط... لاحظوا ميل الكثيرين إلى الزعل والقطيعة مع الأهل والأصدقاء لأتفه الأسباب، كم من الناس صار لا يعيش إلا في دوامة صراعات وكلام عن مبررات انقطاعه مع الأهل والأصدقاء!
لكن بالعكس، الذي يسيطر عليه حب الحياة، عندما يشعر أنه اقترب بإفراط من "وادي ظلال الموت"، ينفض عن نفسه الغبار ويتحرّر واعيًا للخطر المحدق به، فيتغيّر: أي إنه يهتدي إلى طريقه الحقيقي: طريق سيادة الحياة حيث يبني ويزرع ويقول لمن يعيّره: "زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون". فالحياة ربح دائم علينا أن نبني عليها وليس من جدوى في البناء على الموت.

بعض التفاصيل النفسانيّة المساعدة على فهم العنف
هناك إذن غريزتان: الحياة والموت قام فرويد بدراستهما إنطلاقًا من دراسته للحرب العالمية الأولى وميول التدمير التي قرأها فيها. لكنه أعاد حسابات نظريته الأولى التي كان قد قال فيها إن الغريزة الجنسية تصطدم بغريزة الأنا1. فجاء بنظرية أخرى قال فيها إن التصادم هو بين رغبة الموت ورغبة الحياة. وسمى ذلك "الإندفاع المتكرر" (compulsion de répétition) وهو ميل إستعادة الماضي، أي هناك ميل في إعادة الحياة إلى أصلها ووجودها الجامد.
في الواقع هذا الميل إلى الموت قد يتوجه نحو الخارج، أي نحو الآخرين أو نحو الداخل نحو الذات. في الانحرافات السادية والمازوخية. عكس هذا الميل قلنا إنه الميل إلى الحياة. حياة الفرد إذن صراع مستمر بين هاتين الغريزتين الأساسيتين: الميل إلى الجمع والميل إلى التفريق. في داخله تناقض. هذا التناقض قد يتحول إلى مرض، إذا ما توفرت الظروف لذلك.
أن الشرط الأساس لتطوير حب الحياة لدى الطفل هو أن يجد حوله أناسًا يحبون حقًا الحياة. فالعدوى في هذا المجال ممكنة، وهي لا تتم عن طريق كلمات أو شروح ولا بالنصائح والأوامر. نقل الخير يتم من خلال المثال الصالح والمواقف والحركات، بل حتى بنبرة الصوت. فيجب أن يتربى الطفل على الحرية ومن ضرورة إلغاء التهديد والوعيد. وإن خير تعليم القدوة فقط لا عن طريق الفرض من أجل الطاعة. هذه الصفات كفيلة بخلق توازن داخل الطفل.
فن الحياة إذن يكمن في الدخول في علاقات صحيحة مع الآخرين، والحيوانات والجماد، وهذا مثير جدًا. عكس ذلك يولد حب الموت: أي أن يعيش الطفل بين أناس يحبّون الموت، هؤلاء يفتقرون إلى المخيلة والنشاط، يخافون فيعيشون في روتين قتّال مضجر لدى قيامهم بالأعمال اليومية وخاصة هؤلاء يركزون بإفراط على أن الأولوي في الحياة هو التقيّد بالأعراف والأصول وما يقوله الناس والقيل والقال، منتقدين كل أريحيّة وعفوية وضحكة.
يمكننا أن نقول أيضًا إن للظروف الإجتماعية والإقتصادية دور في ازدياد الميل إلى الموت، فالفقر كارثة، وفقدان العدالة الاجتماعية أكبر المصائب واستغلال طبقة لطبقة أخرى خطيئة الخطايا. لأن المظلوم سيشعر أنه مجرد رقم أو آلة في المجتمع. إلى جانب ذلك إنّ أحسن وسيلة لتطوير حب الحياة هو الشعور بالحرية، لكن الحرّية لا تعني غيابًا كليًا للضغوط، حب الحياة يحتاج إلى "الحرية الإيجابية" التي تساعد الفرد أن يبدع ويخلق ويندهش ويغامر بل حتى أن يفشل، ضروري إذن أن يصير كل واحد فعالاً ومسؤولاً عن تصرفاته.
لقد رأى علماء النفس أن حب الموت هذا في ميل البعض إلى أشكال التنظيم (المفرط) والاقتصاد والعناد، وفي ذلك نوع من الانجذاب نحو الأشياء الميتة أو غير النافعة. هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة أعمق، إلا أننا نذكر فقط دور الأهل في ذلك وخصوصًا الأم. كثير من النساء يخفن من الحيوانات والحشرات وينجذبن نحو المجوهرات والأشياء الجامدة. حب الأم للحياة هو الذي يعبر إلى الولد وله أكبر تأثير فيه.
أم عن معالجة الميل العدواني الهدّام لدى الأطفال فننصح أولا بتطوير قابلية الخلق والإبداع لديهم، وتطوير استعمالهم لقدراتهم الإنتاجيّة والفنيّة. فعندما نخلق لدى الإنسان إحترامًا لنفسه، وعندما نتجاوز نواقصه، بالغفران، حينذاك فقط سيتخلص من حب التدمير والسادية. إنّ التاريخ ملئ من القبائح التي أنتجتها الإستلابات والعقد وأفضل أسلوب يكمن في تغيير نمط العيش كي يتمكن الإنسان من تذّوق طعم الحياة والوجود.


الأب يوسف توما
دكتوراه لاهوت ودبلوم دراسات معمّقة في الأجناس البشرية

بغداد 3/5/2005